محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
450
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
يتحرَّجُ مِن أجل حفظ اللفظ مع طُول العهدِ ، فإذا روى بعبارة تُوهِمُ أنَّه حكى لفظ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - استقلَّته الرِّعدة ، وإنَّما كان عامّة روايته بلفظٍ يفهم منه السامعُ أنّه روى بالمعنى ، ولهذا قال أبو هريرة : ما غلبني أحدٌ إلا عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولم أكتب ( 1 ) . وأعجبُ مِنْ هذا كله نسيانُ عُمَرَ لِحَدِيثِ التَّيَمُّمِ الذي رواه عمَّارٌ مع أنَّه من الوقائع التي لا يُنسى مثلُها في العادة ، فإنّ عَمّاراً روى أنّه أصابته وعُمَرَ جنابَةٌ . قال : فأمَّا أنا فتمرَّغتُ في التراب كما تمرَّغُ الدَّابَّةُ ، وأما عُمَرُ ، فترك الصَّلاة ، فلما أتينا النبي - صلى الله عليه وسلم - سألناه فقال : " إنَّما كانَ يَكْفيك . . . " وساق الحدِيثَ في صِفَةِ التيمُّمِ . فلما سمع عُمرُ هذا مِن عمَّار ، أنكره وقال : اتَّقِ الله يا عمَّار ، فقال عمَّار : إن أحببتَ ، لم أذكره فقال عمر : بل قد وليناك ما توليت ( 2 ) . أو كما قالا . وأمثالُ هذا كثيرة . فإذا لم يَجِبْ على الصحابة التعرُّضُ لمعرفة ما في الحوادث المقدرة من النصوص ، وذلك قبلَ حفظِ السُّنن وتدوينها ، فأولى وأحرى أن لا يَجِبَ ذلك بعدَ حفظها وتدوينها ، والأمانِ من ضَيَاعها ، والمعرفةِ بموضعها عند الحاجة إلى البحث عنها ، وهي حُجَّةٌ قَوِيَّة إجماعية . الحجة السادسة : أنها قد اشتهرت الفُتيا في عصر الصحابة عمَّن
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 113 ) وهو في تاريخ ابن عساكر 19 / 117 / 1 ، وانظر السير 2 / 599 . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 338 ) و ( 341 ) و ( 345 ) و ( 347 ) ومسلم ( 368 ) ( 112 ) وأحمد 4 / 265 ، والدارقطني 1 / 180 ، والنسائي 1 / 165 - 166 ، والبيهقي 1 / 211 و 226 .